عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

269

خلاصة المفاخر في مناقب الشيخ عبد القادر ( تتمة روح الرياحين )

وبعد هذه المرارة حلاوة ، وبعد هذا الذل عز ، وبعد هذا الفناء وجود ، حينئذ يستقبل وجه القرب صاحب هذا المقام ، ويجعل بينه وبين الخلق حاجزا ، ويجمع في قلبه بين الحكم والعلم والقرب . فقلوب القوم تنظر بنور اللّه إلى ما سواه ، فيدخلهم جنة النظر إليه ، فإذا نظروا إلى الأكوان صاحوا : يا دليل المتحيرين دلّنا إلى أقرب الطرق إليك ، فيهيمون فيها ، ولا يلتفتون إلى عوالمها ، فتأتيهم يد الرأفة والمحبّة فتأخذ بأيدي قلوبهم ، وتضعها في حجر اللطف وكنف الأنس ولذة القرب ، وتنزع عنها ثياب السفر ، وتنزلها منازلها ، وتمكّنها من حضرته ، وتجعل لقلبه أبوابا يرى من كلها ملكه وسلطانه وجلاله وجماله ، فقلوبهم مجاري إرادته ، وخزائن علمه ، ومستقر سره ، وكلما دارت أسرارهم في مناكب دار القدر ألفت العلوم والأسرار ، فصاروا جلساء ذلك البيت ، ورأوا ما ثمّ من الخزائن والمرافق ، وجاءهم البسط من كل جانب ، وقوى جناحهم فطاروا إلى سرادقات ذلك الحجاب ، وصارت بروحهم إن سقطوا سقطوا في صحن داره ، منقلبين بين يدي رب الملك ، دعاة مجابين محبوبين مجذوبين ، فالقلب مع الرب ، والسر مع السر ، إذا انفتح القلب رأى بعين السر جمال الرب ، وقطع الحجاب . يا هذا صدور الصديقين قبور أسرار رب العالمين ؛ ففيها نجوم العلم وشموس المعارف . وقال أيضا رضي اللّه عنه : عروش الروح جلا جمالها القدر على عبادة الملائكة في حلل : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] في مجلس : وَفَضَّلْناهُمْ . العقل فيه إشارة إلى كونه من عالم الشهادة ، وحملت أصداف الهياكل درر الأرواح في بحر الوجود على سفن العلم ؛ ليكمل بها ضياء نور اليقين ، فسارت بريح الروح إلى خزائن المجاهدة ، ووقف سلطان العقل فيه بإزاء سلطان الهوى ، وتقابلا وتعاملا في سعة فضاء صدره ، فكانت النفس هذه أحقر جنود سلطان الهوى ، وكانت الروح من أشرف جنود سلطان العقل ، فأذن مؤذن الحكم بينهم : يا خيل اللّه اركبي ، ويا كتائب الحق ابرري ، ويا جنود الهوى تقدمي ، فكل يريد نصرة